محمد أبو زهرة

1958

زهرة التفاسير

بالزراعة ، ولكنهم يتخذون لأنفسهم صفة الوسطاء التي لا تحتاج إلى همة ، ولا تحتاج إلى شجاعة . وحيث كانت المعاملات اليهودية كان معها أكل أموال الناس بغير الحق الذي فيه أخذ وعطاء ، ونفع وانتفاع ، بل تكون معاملاتهم قائمة على الاحتكار ، والرشوة كيفما كانت تسميتها ، وكيفما كانت صفتها ، والمخادعات والاحتيال ، والنصب الماهر المستور ، وغير ذلك من التعامل الذي لا شرف فيه . وقد بين سبحانه وتعالى عقابهم بقوله : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً أي بسبب هذه المظالم في الدنيا لا يكتفى بحرمانهم الجزئي فيها ، بل لا بد للكافرين من عقاب شديد مؤلم في الآخرة ، وقد ذكر وصف الإيلام في العذاب ، للإشارة إلى أنهم إن كانوا يتمتعون في الدنيا كما تتمتع الأنعام ، ويرتعون كما ترتع ، فذلك إلى أمد قصير . إن أولئك الماديين الذين فسدت ضمائرهم وضعفت عقائدهم ، وأصبحوا لا يؤمنون إلا بالدنيا ، ويقولون إن هي إلا حياتنا الدنيا نلهو ونلعب وما نحن بمبعوثين . . يكون منهم دائما الاستهانة بحقوق غيرهم وينشرون اللهو والعبث والمجون ، وتكون الدنيا متعتهم وتكون هذه المتعة غايتهم ، ومطلبهم ، فلا يذكرون أن وراء هذه المتعة آلاما ، ووراءها عذاب أليم ، فليذكروا ذلك ، وإن ربك لبالمرصاد . وليسوا جميعا على هذا النحو ، ولذلك قال في العقاب للكافرين منهم ، فكل طائفة فيهم الخير والشر ، واليهود مع ما كانوا عليه في الماضي كان منهم المؤمنون ، وإن كانوا قليلا ، ولذا قال سبحانه : لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ . الراسخون في العلم هم الذين أدركوا حقائقه وصدقوها ، وأذعنوا لها ، وثبتت في قلوبهم ثباتا لا يكون معه ريب يزعزعه أو شبهة تفسده ، أو هوى يعبث به ، وقد